السبت، 12 ديسمبر 2015

للفرحِ وجهٌ آخر........... صوان هنوف





شيءٌ ما يحدث الليلة في المدينة ! .. أفواه الشوارع و الساحات العامة تغصّ برجال المرور ، و تجوبها دوريات حفظ النظام . أما عربات المطافيء و الإسعاف فقد أقعت في مرائبها ، تحسباً لأي طارئ .

المدينة تفرد جناحيها للغيوم والمطر ، و تغرق في قيعان الصّخب ، عماراتها الشاهقة تجثم فوق محالّ تتناثر على جانبي الطرق العريضة ، و تسبح في أضواء متلألئة . الإعلانات الكهربائية برّاقة الألوان تُبهرُ العيون ، و تحيل ذلك المساء الماطر البارد إلى نهارٍ جميل .

الناس تغمرهم الفرحة ، و تبتلعهم الأسواق . بعضهم كان يمشي على غير هدى ، حائراً ثقيل الخطوات ، و يتوارى بعضهم الآخر خلف الواجهات الزجاجية للمحلات .

ازدحمت المقاهي و امتلأت بطون الملاهي بزبائن خٌيّل إليهم أنها أفضل مكان لقضاء سهرة الليلة ، فقد أغرتهم تلك الإعلانات الجذابة التي تُنار حيناً و تُطفأ حيناً آخر ، برنامج فرنسي في هذه الصالة ، و إسباني في تلك ، و ...

حينَ دقّت ساعة هذه المدينة الصاخبة ، التي تتوسط أكبر ساحةٍ عامةٍ تسع دقّات .. نزل أبو أحمد من الباص في ناصية الحيّ الشرقيّ الذي يسكنهُ عائداً من عمله مكدوداً ، متعباً ، ترتعش في عينيه همومٌ و أحلامٌ هرمة .

الحيُّ بقايا هيكلٍ عظميّ تفوح منه رائحة زمنٍ كئيبٍ مقهور . زرع الأزقّة المتعرجّة و المرقّعة بالإسفلت ، و الضيّقة حتّى الاختناق بآثار حذاءٍ يكاد أن يكون صيفياً . و ضوءٌ باهت الصفرة تناثر على البيوت الحجرية الملطخة بالطين و البؤس ، فأضفى عليها مسحةً من الطمأنينة و الأمان . ضحك و هو يقرأُ عبارة مكتوبةَ بطلاءٍ عريض على أحد الجدران تشتم كلَّ من يتبوّل عليه .

لم ينتبه أولاده – و هم يهرعون إليه – إلى واحدٍ من أكياس سودٍ أخفاه خلف الباب . فرح بهم ، و بزوجه الصّابرة التي خفّّت إليه أيضاً بقميص نومٍ يحبّه يشبه بلونه سماءً صافيةً ، فنسي بلقائهم كلّ همومه التي تؤرّقه . مرّ بيده فوق الشعر الليلّي المنهمر فوق كتفي ابنته الوحيدة ، نور .. و هي تهزّ السرير بيدٍ لينام أخوها ذو الأشهر الثلاثة ، و تحملُ بيدها الأخرى ( البيانو ) الخشبيّ الصغير الذي لا يفارقها . نظرت إليه ، و افترّ ثغرها عن ابتسامة حلوة .

مدّ أحمد يده إلى التقويم المعلّق على الجدار الطينيّ ، و نزع بحركةٍ نزقةٍ آخر ورقةٍ من أوراق سنةٍ تلفظ أنفاسها الأخيرة ، و لمّا سأله الأب عن سبب ذلك قال و هو يدفعُ إليه بصحيفة المدرسة :

- صديقي في المدرسة يسهرُ مع أهله في أحد النوادي ، و أنت لا تأخذنا إلى أيّ نادٍ

انفرجت أسارير الأب و هو يقرأ الصحيفة ، لكنه سرعان ما قطّب حاجبيه قائلاً :

- النوادي ليست لنا ، و التلفازُ سيعرضُ حفلاً فنيّا بهذه المناسبة عند العاشرة .

كلّ شيءٍ في البيت يوحي بالسعادة ، فالوردةُ في كأسٍ فوق التلفاز كانت تحدّق في وجوه الأولاد ، و المدفأة المدوّرة تنشرُ دفئاً لطيفاً ، و المطرُ ينقر كعصفورٍ زجاج النافذة . أما قميصُ أم أحمد فقد كان يكشف عن لوحةٍ جميلةٍ و هي تدخل الغرفةُ حاملةً صحون أطعمةٍ و فاكهة يرتبّها أبو أحمد فوق طاولةٍ خشبيةٍ عتيقة ترتفع قليلاٌ عن الأرض .

تحلّق الجميع حول الطاولة ، و بدأ الطعام يتلاشى بسرعة ، فابتسم الأبُ ، وابتسمت الأمّ وهي تنقل عينيها القرنفليتين بين الجميع ، تطعمهم أكثر مما تأكل ، و تحنو عليهم كما هي دائماً ، تقتطعُ من عمرها أزمنةً تضيفها إلى حياة زوجها و أولادها .

استلقى أحد الأولادِ على فراشٍ ملقى على الأرض ، بعد انتهائه من تناول الطعام مسنداً رأسه إلى يديه المعقودتين ، و حين غاصت عيناه في التلفاز راح يغطّ في نومٍ عميق .

قالت نور :

- صديقتي قالت : إن والدها يطفئ النّور عند منتصف الليل ثمّ يشعله فوراً

قاطعها أحمد و كأنه يعرف ما تريد قوله :

- العامُ الجديد يأتي في هذا الوقت تماماً .

و أردفت نور :

- و قالت أيضاً : إن السنة الجديدة تجلبُ لهم ثياباً جديدة و هدايا ، هل تلبسُ هي ثياباً جديدة يا أبي ؟

نظر الأبُ إلى ثياب أطفاله الرّثة النظيفة ، و كتم شهقةً كادت تخرجُ من فمه ، ثمّ نظر إلى بقايا الطعام فوق الطاولة ، فراتبه الذي لا يكفي قوت الأسرة خلال الشهر ، لا يسمح دوماً بإعداد مثل هذه المائدة البسيطة .

حين دقّت الساعة العاشرةُ أطلّت المذيعة تُعلن عن حفلٍ يتضمنُ مفاجآتٍ و موسيقى و أغاني ، لكن حديثها سرعان ما انقطع حينما ساد الظلام الغرفة و كامل الحيّ .

بكى الوليد ذو الأشهر الثلاثة فتذّكرت الأمّ ببكائه أمراً ، فضحكت ، و أسرعت إليه تهزّ السرير ليواصل نومه الهانئ ، حينئذٍ اختلطت تضاريس البيت ، لكن قمراً أبيض معلقاً في سماء سوداء تسلل خلسةً إلى الغرفة .

استلقت نور إلى جانب أخيها و قالت :

- لن نرى السنة الجديدة ، أيقظوني إذا جاءت . ثمّ شددت على طلبها قائلةً :

- لا تنسوا .

قال أحمد :

- نامي .. لن تريها .

كان الأبُ قد خرج من الغرفة قبل قليل ثمّ عاد يلبسُ سروالاَ أسودا و طربوشاً أحمر يحتفظ بهما من رائحة المرحوم والده

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات