شيءٌ ما يحدث الليلة في المدينة ! .. أفواه الشوارع و الساحات العامة تغصّ
برجال المرور ، و تجوبها دوريات حفظ النظام . أما عربات المطافيء و
الإسعاف فقد أقعت في مرائبها ، تحسباً لأي طارئ .
المدينة تفرد جناحيها
للغيوم والمطر ، و تغرق في قيعان الصّخب ، عماراتها الشاهقة تجثم فوق
محالّ تتناثر على جانبي الطرق العريضة ، و تسبح في أضواء متلألئة .
الإعلانات الكهربائية برّاقة الألوان تُبهرُ العيون ، و تحيل ذلك المساء
الماطر البارد إلى نهارٍ جميل .
الناس تغمرهم الفرحة ، و تبتلعهم
الأسواق . بعضهم كان يمشي على غير هدى ، حائراً ثقيل الخطوات ، و يتوارى
بعضهم الآخر خلف الواجهات الزجاجية للمحلات .
ازدحمت المقاهي و امتلأت
بطون الملاهي بزبائن خٌيّل إليهم أنها أفضل مكان لقضاء سهرة الليلة ، فقد
أغرتهم تلك الإعلانات الجذابة التي تُنار حيناً و تُطفأ حيناً آخر ، برنامج
فرنسي في هذه الصالة ، و إسباني في تلك ، و ...
حينَ دقّت ساعة هذه
المدينة الصاخبة ، التي تتوسط أكبر ساحةٍ عامةٍ تسع دقّات .. نزل أبو أحمد
من الباص في ناصية الحيّ الشرقيّ الذي يسكنهُ عائداً من عمله مكدوداً ،
متعباً ، ترتعش في عينيه همومٌ و أحلامٌ هرمة .
الحيُّ بقايا هيكلٍ
عظميّ تفوح منه رائحة زمنٍ كئيبٍ مقهور . زرع الأزقّة المتعرجّة و المرقّعة
بالإسفلت ، و الضيّقة حتّى الاختناق بآثار حذاءٍ يكاد أن يكون صيفياً . و
ضوءٌ باهت الصفرة تناثر على البيوت الحجرية الملطخة بالطين و البؤس ، فأضفى
عليها مسحةً من الطمأنينة و الأمان . ضحك و هو يقرأُ عبارة مكتوبةَ بطلاءٍ
عريض على أحد الجدران تشتم كلَّ من يتبوّل عليه .
لم ينتبه أولاده – و
هم يهرعون إليه – إلى واحدٍ من أكياس سودٍ أخفاه خلف الباب . فرح بهم ، و
بزوجه الصّابرة التي خفّّت إليه أيضاً بقميص نومٍ يحبّه يشبه بلونه سماءً
صافيةً ، فنسي بلقائهم كلّ همومه التي تؤرّقه . مرّ بيده فوق الشعر الليلّي
المنهمر فوق كتفي ابنته الوحيدة ، نور .. و هي تهزّ السرير بيدٍ لينام
أخوها ذو الأشهر الثلاثة ، و تحملُ بيدها الأخرى ( البيانو ) الخشبيّ
الصغير الذي لا يفارقها . نظرت إليه ، و افترّ ثغرها عن ابتسامة حلوة .
مدّ أحمد يده إلى التقويم المعلّق على الجدار الطينيّ ، و نزع بحركةٍ
نزقةٍ آخر ورقةٍ من أوراق سنةٍ تلفظ أنفاسها الأخيرة ، و لمّا سأله الأب عن
سبب ذلك قال و هو يدفعُ إليه بصحيفة المدرسة :
- صديقي في المدرسة يسهرُ مع أهله في أحد النوادي ، و أنت لا تأخذنا إلى أيّ نادٍ
انفرجت أسارير الأب و هو يقرأ الصحيفة ، لكنه سرعان ما قطّب حاجبيه قائلاً :
- النوادي ليست لنا ، و التلفازُ سيعرضُ حفلاً فنيّا بهذه المناسبة عند العاشرة .
كلّ شيءٍ في البيت يوحي بالسعادة ، فالوردةُ في كأسٍ فوق التلفاز كانت
تحدّق في وجوه الأولاد ، و المدفأة المدوّرة تنشرُ دفئاً لطيفاً ، و المطرُ
ينقر كعصفورٍ زجاج النافذة . أما قميصُ أم أحمد فقد كان يكشف عن لوحةٍ
جميلةٍ و هي تدخل الغرفةُ حاملةً صحون أطعمةٍ و فاكهة يرتبّها أبو أحمد فوق
طاولةٍ خشبيةٍ عتيقة ترتفع قليلاٌ عن الأرض .
تحلّق الجميع حول
الطاولة ، و بدأ الطعام يتلاشى بسرعة ، فابتسم الأبُ ، وابتسمت الأمّ وهي
تنقل عينيها القرنفليتين بين الجميع ، تطعمهم أكثر مما تأكل ، و تحنو عليهم
كما هي دائماً ، تقتطعُ من عمرها أزمنةً تضيفها إلى حياة زوجها و أولادها .
استلقى أحد الأولادِ على فراشٍ ملقى على الأرض ، بعد انتهائه من تناول
الطعام مسنداً رأسه إلى يديه المعقودتين ، و حين غاصت عيناه في التلفاز راح
يغطّ في نومٍ عميق .
قالت نور :
- صديقتي قالت : إن والدها يطفئ النّور عند منتصف الليل ثمّ يشعله فوراً
قاطعها أحمد و كأنه يعرف ما تريد قوله :
- العامُ الجديد يأتي في هذا الوقت تماماً .
و أردفت نور :
- و قالت أيضاً : إن السنة الجديدة تجلبُ لهم ثياباً جديدة و هدايا ، هل تلبسُ هي ثياباً جديدة يا أبي ؟
نظر الأبُ إلى ثياب أطفاله الرّثة النظيفة ، و كتم شهقةً كادت تخرجُ من
فمه ، ثمّ نظر إلى بقايا الطعام فوق الطاولة ، فراتبه الذي لا يكفي قوت
الأسرة خلال الشهر ، لا يسمح دوماً بإعداد مثل هذه المائدة البسيطة .
حين دقّت الساعة العاشرةُ أطلّت المذيعة تُعلن عن حفلٍ يتضمنُ مفاجآتٍ و
موسيقى و أغاني ، لكن حديثها سرعان ما انقطع حينما ساد الظلام الغرفة و
كامل الحيّ .
بكى الوليد ذو الأشهر الثلاثة فتذّكرت الأمّ ببكائه أمراً
، فضحكت ، و أسرعت إليه تهزّ السرير ليواصل نومه الهانئ ، حينئذٍ اختلطت
تضاريس البيت ، لكن قمراً أبيض معلقاً في سماء سوداء تسلل خلسةً إلى الغرفة
.
استلقت نور إلى جانب أخيها و قالت :
- لن نرى السنة الجديدة ، أيقظوني إذا جاءت . ثمّ شددت على طلبها قائلةً :
- لا تنسوا .
قال أحمد :
- نامي .. لن تريها .
كان الأبُ قد خرج من الغرفة قبل قليل ثمّ عاد يلبسُ سروالاَ أسودا و طربوشاً أحمر يحتفظ بهما من رائحة المرحوم والده

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق