لبست قبعتي و قذفت بقامتي في شوارع مقفرة و تحت شمس حارقة، في هذه الساعة من النهار قلائل هم الذين يتجولون... اما انا ، فكنت اهوى هذا التجوال البوهيمي دون وجهة محددة.
خبات راسي تحت القبعة اختفي من عيون تلحظني علها من وراء الابواب و الشبابيك، مشيت كثيرا. و لم يكن لي هدف محدد. كانت خطواتي تتوقف في بعض الاحيان وتسال اللافتات عن اسم شارعها. رايت منافذ كثيرة و منازل تشبه منزلها و لم يكن بذاكرتي سوى وصفها لذلك الحي النائي...لم ات من قبل الى هنا. لا تعرفني الشوارع و لا المنازل.. لم يناديني اي منها و لم يستضفني للدخول...
اصبت بالتيه،انا الحامل اغترابي في داخلي صرت غريبا و مجهولا هنا ، في هذا الحي الذي حتما تختفي الناس فيه و تطل العيون من وراء الابواب.
قالت لي يوما وهي تحدثني عن بيتها انه تطل منه شجرة ياسمين تزهر في اكثر من فصل... قالت ان بابه ازرق ككل الأبواب المتوسطية.
و انا امشي، قلت لعل عينا تطل من وراء بعض الابواب، تعرفني و تبتسم لي و اسكنها. سينفرج احد ها و تخطفني يدها الى الداخل لتسلم علي و تقول لي كم هي سعيدة لانني اتيت!
اتيت بعد سنوات من الغياب . سنوات لم اكن ادري خلالها ان كنت احبها فعلا و ان كنت اريد ان اسلم لها قلبي.. و قلبي كان تائها لا قرار له! اتيت بعد ان اغلقت لسنين كل سبل الحنين و تحجر قلبي قبل ان يزهر في حدائق اخرى...
حتما ستعرف القبعة و مشيتي التي كانت تحب... ستعرف تيهي و اغترابي . و ستدرك انني اتيت من اجلها اريد فقط رؤياها!
حتما سوف تعاتبني ... او لعل قلبها اغلق دوني بابه... لعلها ستغضب كالنساء و تصب علي جام غضبها و انا لم اكتب عريضة دفاع عن نفسي...
انظر في كل صوب ...الابواب موصدة ... كلما سمعت صريرا قلت، هو بابها ينفتح و ستستقبلني بابتسامتها التي اعشق و ان لم تثنني عن رحيل!
مضت سنوات و انا اتناساها و اجد لي الاعذار ...هكذا قلوب الرجال تخاف من امراة تبتسم بصدق و تحب بعنف و شراسة...هكذا كان قلبي ، لا يدري ان كان يحب جنونها بي ام يخشى جنونها و حسب...اغلقت الدفاتر و احرقت رسائلها و اغلقت سبل الوصول الي و رحت اناور في ساحة حب جديد!
بعدها اصبت بالتيه و هاهو ياتي بي الى هنا ، الى هذه الديار التي لا تعرفني... لعلها حدثتها عني كما حدثتني عنها...و لكن الابواب مغلقة... لم ينفتح لي منها باب واحد...كلها زرقاء ابوابها و منها يطل شجر الياسمين. صمت رهيب يخيم هنا و كانني في معبد... احسست بالوحشة و ان العيون خلف الابواب لا تعرفني ....
انتهيت الى اخر الحي ...مشيت و مشيت ... فاذا بي امام بيت اعرفه و يعرفني. ينفتح و تخطفني يد اعرفها، يد زوجتي تجذبني الى الداخل بعنف و هي تقول:" كنت اعرف انك ستعود!" نعم.... لقد تزوجتُ
# فتحية دبش

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق