يُفزعهُ صديقهُ الفنان دائماً حين يلقاهُ شارد الذِّهن كعادته بالنادي ،
فومضاتُ شروده تزداد يوماً بعد يوم وكذلك أوقات سُكونِه وصَمْته كصنمٍ أصم
وأبكم !
على عكس سمير الذى يعمل ممثلاً شهيراً ويعيشُ الحياةَ طولاً وعرضاً ؛ ولا توجد لدية لحظة يُضَيِّعُها في غير لذة .
كاد الدكتور أحمد أن يقتل صديقه بنظرات الغضب وتعبير صوته الذى فاق طلقات البنادق !
فهذا النوع من الناس من يعشقون التأمل لا يؤلمهم شيء أكثر من الصوت المرتفع والمُزاح بغير وقته والمفاجآت الغير متوقعه .
وسمير لا يَكُف عن كل ما سبق ، ومع ذلك لا بأس أن تجمعهما صداقة العُمر .
يحاول سمير أن يمتص غضب أحمد قائلا :
- يا رجل !؟ أيوجد عاقل يركب صهوة خياله ويسرح بعيداً تاركاً هذا الجمال حوله !؟
- أي جمال تقصد يا فنان ؟ فعينيك لا تريان سوى جمال واحد !
- أهو قليل أن تستمتع بجمال فتيات النادي وهن يمارسن رياضتهن مُبدين زينتهن كاملة غير منقوصة ؟
- كله إلى زوال يا صديقي !
- وحياة أبوك لا أريد محاضرة فلسفية
عن الموت والحياة ؛ فقط عِشْ حياتك واستمتع بكل ما فيها فالعُمر محدود .
- ألا يشغل بالك ويؤلمك هذا الموضوع يا سمير وأنت من أنت في حب الحياة والانطلاق ومتعة اللحظة وكل لحظة ؟
- يؤلمني بالطبع ككل حي ، وكلما حدثني أحدُ المُعَقَّدين أمثالك عن الموت ؛
أهرب دائماً وأشغل نفسى بأي شيء آخر . وتَوجَّب أن أستمتع بحياتي أكثر .
- حُلم الخلود راود أفكار القدماء ففطنوا حسب عقائدهم لتحنيط موتاهم حتى
تتعرف الروح على جسدها في العالم الآخر الذى راود خيالهم لعدم تصديقهم أن
الحياة تنتهى بهذه البساطة ! الحياة يا سمير هذا الكائن الذى لم نكن نعرفه
حين كُنا قبل ذلك في راحة ، ولم يُخَيِّرنا أحد أن نحيا ونعرف معناها بعد
جهل ؛ ثم تُسْلَب منَّا بهذه البساطة ! وما يصبرنا نحن أصحاب العقائد أن
الموت ليس فناءاً بل انتقال من حياة إلى نوع آخر من الحياة اسمه حياة
البرزخ ثم الخلود ، الحُلم الجميل الوحيد الذى يجعلك تهنأ بمضغ لقمة خبز .
( وبعد أن أخرج زفيرا طويلا سجنه بصدره طول التأمل والتفكير قال : )
لكن كيف بمن لا يعرف لنفسه عقيده !؟ بالتأكيد يتألَّم أكثر بكثير .
.
ينظر إليه سمير متعجباً من هذا الكائن الذى يشغل تفكيره موضوع منتهٍ أمره ثم يقول مازحاً :
- وعم الشيخ هلال إمام وخطيب المسجد تركك هكذا لخيالاتك العقيمة !؟
- أبي !؟
- نعم أتعلم لك هلالاً غيره ؟
- سمير أحتاج أن أسافر أوروبا ، هناك معامل أبحاث عديدة يعملون على هذا
الموضوع وبعضهم الآن صنع توابيت لتجميد الموتى حتى اكتشاف علاج لأمراض
الشيخوخة وبالتالي علاج للموت .
( يضرب سمير كفاً بكف متعجباً ويقول : )
- أجُننت يا أحمد !؟ هؤلاء لا يعلمون ما نعلم رغم أبحاثهم ؛ ودائما نخرج
عليهم أن ما اكتشفوه بعد جهدٍ ومشقة وتكاليف باهظة عندنا بالقرآن منذ قرون ،
لا لا لن أصبر عليك هيا بنا ؛ لقد عزمت نفسى عندكم على الغداء كي نتحدث
بالموضوع سوياً مع عم الشيخ هلال ، فحالتك أصبحت مَرَضِيَّة رغم أنك الطبيب
الماهر ، لكنك لا تعرف لنفسك علاجاً !
( يبتسم أحمد ساخراً منه ومن كلماته قائلا : )
- أنظر إلى تلك الفتاة الجميلة الشابة وقل لي لماذا تلعب رياضة كل يوم ؟
وهذا الرجل الثري لماذا يلهث خلف مضادات الأكسدة ؟ وهذه السيدة التي بدأت
التجاعيد تعبث بوجهها الجميل لماذا لم تترك طريقاً
لتتخلص منها ؟ وأنت نفسك يا سمير لماذا لا تترك لحظة بدون متعة ؟
( يشرع سمير بالحديث لكن أحمد يسكته بإشارة من يده قائلا : ) إنه الموت يا صديقي ، الكل يهرب منه .
الغنى الذى صنع ثروة طائلة يتحسَّر كلما تذكره ، لا يصدق حي أنه سيموت
يوماً وإن بلغ عمراً مديداً رغم أنه يرى كل يوم من يموتون حوله ، بوادر
التجاعيد وأمراض الشيخوخة تصيب الناس بالذعر والهوس ، تخيَّل يا سمير أنه
تم اكتشاف علاج لأمراض الشيخوخة وعلاج للموت فهو في نظري كطبيب مرض كأي مرض
لم يتم اكتشاف علاج له .
- لكن يا أحمد القصة ليست قصة اكتشاف علاج وانتهى الموضوع ، فيه سر كبير جدا اسمه الروح ؛ حتى لو تم اكتشاف علاج للشيخوخة .
- نعم هي لغز كبير جدا بل سر الأسرار لكن هل تعتقد أن تظل سراً؟
- اترك هذه الفلسفة فلا طائل منها ، الحديث معك أوحى لي بفكرة فيلم سينمائي رائعة ( ماذا إن مات الموت !؟)
- سيموت يوماً بالتأكيد يا صديقي ثق بي .
- وإن حدث ذلك يا أحمد أسيكفينا كوكب الأرض !؟ وهل ستقل مشاكل البشرية أم ستزداد !؟
- ماذا بك يا بنى !؟ ألم تسمع عن رحلات الفضاء ، لقد أصبحت مُتاحة الآن لمن يملك الثمن ؛ بالتأكيد قريباً سَتُتَاحُ عوالم أخري .
- الثمن ! من يملك الثمن ! صراعٌ أخبث وأكثر وجعاً ؛ من يملك الثمن يدفع
ليتخلص من أمراض الشيخوخة ! من يملك الثمن يدفع كي يُشفَى من الموت ! من
يملك الثمن يدفع كي يجد له مكاناً على الكوكب أو بالعوالم الأخرى
............. وماذا عن الفقراء !؟
يا صديقي نعم الشيخوخة تذلنا
بأمراضها والموتُ يقهرنا ؛ لكن كونه كأس دائر للجميع لا يفرِّق بين غني
وفقير ، قوي وضعيف ، صغير وكبير ؛ يُعد ذلك رحمة عظيمة ، وإن تغلبتم على
مرض الموت فكيف بالحوادث المرورية وأمراض البشر الخبيثة التي توصلهم للقتل
!؟ ألم تسمع معي عم الشيخ هلال وهو يتلو على مسامعنا قول الله تعالي الذى
يصف الموت بالمصيبة ، ورغم ذلك يصيبنا به وكأنه اعتذار إلاهي عن شيء صعب
وقاسٍ جدا لكنه قدَّره علينا ! يا صديقي هذا الجسد ليس مخلوقاً للخلود إنه
ضعيف جدا لدرجة أن تقتل النمرود بَعُوضَة !
- ما كل هذه الثقافة يا ولد
! يا سمير أنا مؤمن بالعلم رغم حفظي للآية التي يرددها أبي دائماً أمامي
كي أحفظها وأصرف نظر عن السفر رغم المنحة العلمية .
(قُلْ إِنَّ
الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ
تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ )
وأيضا الآية التي تقول :
( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم
في بروج مشيدة )
- صدق الله العظيم ، انت متأكد إنك عالِم يا أحمد !؟
- أعتقد ذلك ، ولم العجب ؟ فكلما ارتفع سقف الطموح
كلما ازدادت المكاسب ، وأصبح أمراً عادياً الحصول على كل ما يقابلك بالطريق حتى وإن لم تصل للسقف .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق