وعادت غيمة العطر....
بعد طول انتظار وبعد تدلل وتمنع وترقب بدأت
بواكير أزهار الياسمين تتفتح وتنتشر نجوما على أغصان ياسمينتي العجوز فقد
تجاوز عمرها العشرين عاما وزرعها من تعهد بناء بيتي في زاوية الحوض وغرس في
الزاوية المقابلة شتلة عراتلية لم تعمر ويبست في غيابي وبقيت الياسمينة
تقاوم وتزهر وتمتد الى بيوت الجيران وتهمي غيمة عطر أجلس تحتها في العشيات
الجميلة الساكنة واقطف من ازهارها الرائعة..
وللياسمين ذكريات اثيرة لدي فقد كانت والدتي تشرق فرحا عندما يهديها الجيران
والاقارب اطباقا منه فتنثره في ادراج البيرو القديم المطعم بالصدف فيمنح
الثياب رائحة زكية لطيفة ..وقد ذهب البيرو وباعه الوالد ذات يوم مبررا انه
صار قديما ولكنها الحاجة وأبت عليه عزة نفسه ان يعترف بها يرحمه الله ...
أووووه لقد تداعت الذكريات ..ونعود الى الياسمين...فقد ذكرته في
قصيدتي(ربيعك في قلبي)واهديتها الى حماة التي لم أعش ربيعها منذ أكثر من
ثلاثين عاما بسبب الغربة الطويلة في الكويت وقلت فيها
وأشتاق زهر الياسمين ألمه
نجوما بأسوار الشريعة زاهيا
وحي الشريعة له موقع طيب في ذاكرتنا فقد كان أحدث أحياء حماة وأجملها وكان
قبل خمسين عاما في طور البناء وبيوته الجميلة الراقية متناثرة وشوارعه
هادئة فلا.سيارت ولا طرطيرات وكن نلجأ اليه ايام الدراسة وتبدأ الرحلة مع
الكتاب من جسر العبيسي عبر الشارع الجديد كما كنا نسميه مع ضفة العاصي
وصولا الى حي الشريعة الهادئ وكان معظم أصحاب البيوت يهتمون بزراعة
الياسمين على الأسوار فيتدلى الى الخارج فنقطف منه ونسير في كفنا كتاب وفي
الاخرى أزهار الياسمين تنعش الروح وتفتح النفس للدراسة ..وما أجمل تلك
الأجواء التي نلجأ اليها هربا من ضيق البيوت وضجتها...
وأعود الى
ياسمينتي فقد كادت تجف وتموت في غيابي لمدة طويلة زائرا الأماكن المقدسة في
العام الماضي ولكن الله سلم ورعيتها وسقيتها كثيرا فعادت اليها الحياة بعد
ان جف كثير من أغصانها ثم ازهرت ...وفي هذا الربيع تأخر إزهارها فخفت
عليها وصبرت الى ان يدأت بواكيرها تظهر فسعدت بها وهتفت بيني وبين نفسي
عادت غيمة العطر التي أجلس تحتها وأؤدي صلاة العشاء في سكونها فما أرق هذه
الامسيات داعيا الله ان يظلل الوطن بالامن والأمان...
وعلى ذكر ياسمين الشام فقد كنت كتبت أبياتا عن الياسمين الشامي الذي يسقيه بردى فقلت
للياسمين حديث ليس يعرفه
إلا محبوه ..والعشاق أسرار
فيه الطهارة لونا...والرؤى ألقا
وللعبير به بوح...وأشعار
للشام منه حكايات معطرة
تحير الحسن..ماذاسوف يختار
تسقيه من بردى كف فينعشه
فيض من الكوثر القدسي مدرار
أعاذه الله من شر يراد به
وظل يترف عطرا...تشرق الدار
ياغيمة العطر دومي في ربا وطني
ظلا من الأمن ...تزهو فيه أزهار
وعذرا للإطالة فالذكريات شجون

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق