في
شتاء بارد ..كنا ندور حول جدتي كما لو اننا نلتف حول موقد يشع من وجنتيها
الموردتين.. كانت كلماتها الدافئة تسحر عيوننا التي تحدق في عينيها
الزرقاوين كعيني قط... لا نسمح لأي أحد منا أن يتكلم أثناء حديثها المشوق
أو حتى يسألها.. لم نتذكر يوما أنها لبست ثوبا بألوان زاهيةأ.. فمنذ أن
أبصرنا بنور وجههاأ.. وهي تلبس ثوبا ًاسود.. ننتظر الليل لنوقد مشعلاً
تعلقه امي في سقف الغرفة.. أو فانوساً في شباك صغير.
في ليلة كان المطر ينزل بهدوء وسكينة.. حتى أن قطراته لم تحدث صوتا في صفيح الحظيرة.. قبل أن يكتحل الظلام بمرود المصيبة .. وضعت لنا امي عشاء خفيف.. ثم رأينا جدتي وهي تصلي من جلوس.. ضحكت أمي بوجه أبي الذي همس بأذنها لأمر لم نكن ندركه في ذلك اليوم... لم نكن ندع جدتي تشرع بحكايتها حتى قدوم فاطمة ابنت عمنا محمد.. تجالسنا كعادتنها في كل ليلة.. كانت فاطمة تقطع الطريق الموحل بصعوبة بالغة حتى تصل إلى بيتنا.. تغسل رجليها النحيفتين بماء الترعة.. نسمع نباح الكلب الذي تسكته بصوتها الناعم كالحرير.. كان الكلب يشم كمام ثوبها المطرز بورود حمراء وأخرى بيضاء كالثلج.. كنا نلعب في أوقات النهار الدافئة تحت أشعة الشمس .. نركض في وسط حقول القطن.. نلعب لعبة الغميضة.. نرجع إلى البيت قبل اّذان الظهر.. كانت فاطمة ترجع وحدها الى بيت أهلها.. لكنها كانت تتسلى في طريقها مع صوت الضفادع الواقفة بكيس حلقها المنتفخ ..تمسك واحدة منها تأخذها حتى أخر الدوار حيث بيتهم الطيني..
تأخرت فاطمة عن ليلة الحكايات.. ربما المطر حال دون وصولها.. سكت الكلب من نباحة منذ اكثر من نصف ساعة تقريبا.. ازداد قلق جدتنا التي همت بطرق الباب على أمي وأبي.. توكأت على عصاتها ورحت تمشي كنملة صغيرة نحو غرفتيهما.. طرقت الباب بعصاها.. وكنا نقف خلف ظهرها المقوس كالخيارة... قال لها ابي وقد حاول أن يطمأنها بأن أباها منع فاطمة من المجيء الينا.. لم تروي لنا جدتي في تلك الليلة حكاية من حكايتها.. بيد أنها لم تذق طعم النوم .. فبين الفينة والأخرى كانت تفتح شباك الغرفة وتنظر على ماء الترعة.. وخزت الكلب الذي كان نائماً بجوار نافذتها.. لكن الكلب لم يتحرك.. كانت تلك الليلة طويلة جدا.. فكل ما تفتح إحدانا عينيها تجد جدتي جالسة كأنها صخرة منحوتة..
أنبلج أول خيط للفجر.. سمعت جدتي صوت ديك أبيض يقف على جدار البيت... وقفت تتحسر.. تثاقلت انفاسها.. وراحت تجر برجليها الخاويتين نحو الخارج كأنها سلحفاة تقصد ماء الترعة.. خرجنا خلفها وقد ابتلت الأرض تماماًً.. جلست بهدوء وهي تنظر إلى ماء الترعة وتنوح باكية .. سمعنا صوت قوي كأنه يهز بيوت القرية.. لا ندري هل من نواح جدتي أم من صوت الرجل الذي نزل الى الترعة وهو يصيح غريق في الترعة..
تمت
فاطمة مندى
في ليلة كان المطر ينزل بهدوء وسكينة.. حتى أن قطراته لم تحدث صوتا في صفيح الحظيرة.. قبل أن يكتحل الظلام بمرود المصيبة .. وضعت لنا امي عشاء خفيف.. ثم رأينا جدتي وهي تصلي من جلوس.. ضحكت أمي بوجه أبي الذي همس بأذنها لأمر لم نكن ندركه في ذلك اليوم... لم نكن ندع جدتي تشرع بحكايتها حتى قدوم فاطمة ابنت عمنا محمد.. تجالسنا كعادتنها في كل ليلة.. كانت فاطمة تقطع الطريق الموحل بصعوبة بالغة حتى تصل إلى بيتنا.. تغسل رجليها النحيفتين بماء الترعة.. نسمع نباح الكلب الذي تسكته بصوتها الناعم كالحرير.. كان الكلب يشم كمام ثوبها المطرز بورود حمراء وأخرى بيضاء كالثلج.. كنا نلعب في أوقات النهار الدافئة تحت أشعة الشمس .. نركض في وسط حقول القطن.. نلعب لعبة الغميضة.. نرجع إلى البيت قبل اّذان الظهر.. كانت فاطمة ترجع وحدها الى بيت أهلها.. لكنها كانت تتسلى في طريقها مع صوت الضفادع الواقفة بكيس حلقها المنتفخ ..تمسك واحدة منها تأخذها حتى أخر الدوار حيث بيتهم الطيني..
تأخرت فاطمة عن ليلة الحكايات.. ربما المطر حال دون وصولها.. سكت الكلب من نباحة منذ اكثر من نصف ساعة تقريبا.. ازداد قلق جدتنا التي همت بطرق الباب على أمي وأبي.. توكأت على عصاتها ورحت تمشي كنملة صغيرة نحو غرفتيهما.. طرقت الباب بعصاها.. وكنا نقف خلف ظهرها المقوس كالخيارة... قال لها ابي وقد حاول أن يطمأنها بأن أباها منع فاطمة من المجيء الينا.. لم تروي لنا جدتي في تلك الليلة حكاية من حكايتها.. بيد أنها لم تذق طعم النوم .. فبين الفينة والأخرى كانت تفتح شباك الغرفة وتنظر على ماء الترعة.. وخزت الكلب الذي كان نائماً بجوار نافذتها.. لكن الكلب لم يتحرك.. كانت تلك الليلة طويلة جدا.. فكل ما تفتح إحدانا عينيها تجد جدتي جالسة كأنها صخرة منحوتة..
أنبلج أول خيط للفجر.. سمعت جدتي صوت ديك أبيض يقف على جدار البيت... وقفت تتحسر.. تثاقلت انفاسها.. وراحت تجر برجليها الخاويتين نحو الخارج كأنها سلحفاة تقصد ماء الترعة.. خرجنا خلفها وقد ابتلت الأرض تماماًً.. جلست بهدوء وهي تنظر إلى ماء الترعة وتنوح باكية .. سمعنا صوت قوي كأنه يهز بيوت القرية.. لا ندري هل من نواح جدتي أم من صوت الرجل الذي نزل الى الترعة وهو يصيح غريق في الترعة..
تمت
فاطمة مندى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق